صديقي توني

هكذا افتتح وزير خارجية مصر، السيد سامح شكري، كلمتهُ في عمَّان في مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الأمريكي، السيد أنتوني بلينكين، و الأردني، السيد أيمن الصفدي.  التخاطب بالأسماء الأولى يُعبِّرُ عن أُلفةٍ حقيقية بين المتخاطبين، أو تَزَلُفاً من أحدهم للآخر.  لكنه يعني كذلك، و نحن في حربٍ تشنها الولايات المتحدة عبر الصهيونية، أن المُخاطِبَ قد استسلم و طلبَ العفو من الوزير الأمريكي الذي أيَّدَ الصهيونية منذ بزوغ فجر ٧ اكتوبر ليس فقط بصفته الرسمية و لكن تأكيداً أصلياً بانتمائه اليهودي أباً عن جد.  أما كان للوزير العربي المصري المسلم أن يخاطب بلينكن رسمياً و من دون ابتسامة؟ لكنه اختارَ رفع الكلفة، و في السياسة لا حركةَ و لا كلمةَ إلا و تعني شيئاً. فما الذي عناه الوزير المخضرم سامح شكري؟ و هل هو وقت رفع الكلفة و تعزيز الصداقة المتوخاة؟ سؤالٌ لا يجد الإجابة الشافية في الضمير الصاحي. 

 

إننا نطلب من المسؤولين العرب مواقف صلبةً تعكس قوة بلادهم.  و ما قوة بلادهم، بلادنا، إلا ما يصفه المسؤولون العرب و إعلامهم من امتلاكهم الجيوش القوية والعتاد الفتاك.  لكننا نرى مواقف العرب تستند لفراغٍ من القوة. مثل بيضة النعام الكبيرة الفارغة التي يبيعونها للسياح تذكاراً. أو كأن هذه الجيوش دمىً للعرض.   و حاشا الله أن أسخر من الجيوش العربية لكنها أسيرةً للقرار السياسي الذي يختال بلقاءاتٍ هزلية، و هي جيوشٌ لو انطلقت نحو العدو لأكلته من غير سلاحٍ حتى. اقبلوا هذه المبالغةَ حُسنَ ظنٍّ في كل بيتٍ عربي يحتضن جندياً و ضابطاً. ثم نقول ربما لا يظن العرب أصحاب القرار السياسي أن غزة تستحق أن يدخلوا الحرب.  أو أن العرب يتهيئون للحرب و أن الوقت الذي اختارته المقاومة ليس وقت العرب بعد. أو أنهم يخافون من الحرب و تبعاتها فالصهيونية قوية بمن معها و معها العالم الغربي كله. أو أنهم موافقون علي الحرب و يتمنون سرعة الخلاص من مقاومة غزة قبل ازدياد الضغط الإعلامي.  و هي كلها تقديراتٌ تخاذلية و لكنها واقعية.  العرب على الأغلب لا يريدون الحرب و يتمنون زوال المقاومة.  هذا الاستنتاج لا يأتي من فراغ بل من كامل الصورة العربية التي لا تدل إلا عن عجزٍ و خوف. فلم تكن المجتمعات العربية في تاريخ هذا الصراع أقلَّ تجهيزاً لحربٍ منها اليوم. بل أن هذه المجتمعات يتم تأهيلها لكل المؤنسات الحياتية، و المنغصات، باستثناء الاستعداد لحرب تحرير.  أُنيطَ التحرير بالدبلوماسية التي أخرجت من حقائبها الجلدية الغالية الثمن كل الاتفاقيات و المعاهدات و أبقت جوهرة الأوطان محتلة و مغتصيةً.  و استدار قادة الجيوش دُرْ تتدرب في الغرب و سلاحها منه و عقيدتها حماية نظام.  صارت الجيوش وظيفةً للمعيش لا عقيدةً للتحرير.  فكيف تخوض العرب حرباً ضد الصهيونية بجيوشَ منظرية و مجتمعاتٍ مترفة و جائعة و هامشية في أغلب الأحوال؟!

 

لذلك يتصدَّى للتحرير العسكري قِلَّةٌ ليست جيشاً رسمياً و هي قلةٌ لا تناكف العدو فحسب بل الإخوة الذين يفضلون الحلول السياسية فهم علي سبيل المثال يحاصرونها و يقبضون علئ رجالاتها و يسمحون باغتيالهم و يحيطون بمستلزماتها الضرورية للمقاومة فيتبادلون المعلومات عنها مع الصهيونية لوقفها و قصفها و مصادرتها.  ثم هي قِلَّةٌ مقاومةٌ تتمسك بأهداب الدين و ليس هذا في الأوقات الحالية مقبولاً كعقيدةٍ في الأنظمة العربية التي تتسامح في كثيرٍ من متطلبات الدين خاصةً الجهادية منها تحديداً نزولاً عند الحاجة للاقتصاد و المال الآتيين من الغرب.  فالدين عندهم للمسجد و ليس للمقاومة.  و زِدْ عليهِ أن المقاومة جمعت شُعبتي الدين السنية و الشيعية على هدف التحرير العسكري،  و بين هاتين الشعبتين خلافاتٌ معقدة، لكن المقاومة نجحت في وأد الخلافات والتركيز على العدو المشترك. و هذا لا يعجب كثير العرب من السنة الذين يرون أن التهديد الأهم لهم ليس الصهيونية و لكنه الشيعية و إيران.  و قد نُصحَ قادة حماس علناً من شيوخ دينٍ سُنة  الابتعاد عن الشيعة لأن الشيعة حسب ما قال الشيوخ لا يمكن الوثوق بهم.  و من المخجل أن تسمع أن "حزب الله" يُنادى عند العوام و الخواص من السنة ب "حزب اللات" و أن خطاب السيد حسن نصرالله الأخير هوجمَ و استُهزِأَ به من زاوية الدليل على خداع الشيعة للمقاومة. و التهكم و الاستهزاء ظُلمٌ لا يجوز و ليس بمكانهِ.  و أيضاً لا نستثني من الذنب تلك الحركات الشيعية المغرقة في الكراهية لأعلامِ الصحابة و لأمهاتِ المؤمنين و لعلومِ السنة ففي هذا هي بوق فرقة و شكوك و عداوة لن تنتهي.

 

لكنه الواقع العربي الذي يقسمُ العرب لعدةِ مجموعاتٍ.  الشعب المغلوب على أموره يريد الانتصار للمقاومة لكنه يشك بمقاومة غير سنية و هو مربوط اليدين و الرجلين.  و المقاومة السنية وحيدةٌ في محيطها إلا من حليفها "حزب اللهُ". الشعب كذلك في معظمه مدلل لم يتعود على التضحيات الجسام.  الحكومات لا تريد تعويده على وطنيةٍ زائدة تخرج من العقال فهي راهنت على السلام و ثماره و تريد من الشعب أن ينسى و أن يحصر اهتمامه بالقوت اليومي و بعض الرفاهية.  و الجيوش رهينةً لقرارٍ سياسي لن يُعطى لهم بالقتال. لهذا عندما تتحرك المقاومة بالشكل الذي انفجر في ٧ تشرين أول فهي تُظهر هذه الانقسامات في أنصعِ صورها و في أقبحها.  شعبٌ يقتله العدو ذبحاً في غزة و شعوبٌ ترثيه و تريد الجهاد و شعوبٌ تلهو و حكوماتٌ لا تصدق ما حصل فلا هي قادرةٌ أو راغبةٌ في القتال و لا تريد انهيار سلامها الذي تفضح الصهيونية هشاشته.  الشيئ الوحيد الذي تقوم به الحكومات هو العمل الدبلوماسي، و هو غير مجدٍ. و تقوم بلجمِ الشعوب و هو تمشي علي جمر غضبهم و لا يُعلم إن كان اللجام سيصمد. 

 

بينما الحكومات "تناضل" دبلوماسياً لوقف القتال المقاومةُ تقاتل عسكرياً و تفاوضياً لوحدها.  إن انتصرت فالنصر للأمة و إن انهزمت فالهزيمة للأمة.  هكذا أفهم: المقاومة كمحور لن تنتظر الهزيمة و ستسعى للنصر. و ما نصرها إلا صبر ساعة.  فإما حياةٌ تَسُّرْ و إما مماتٌ يغيظ لأنهُ الشهادة في سبيل الله و الأرض و العرض.

Previous
Previous

ضبطُ النفسْ

Next
Next

جو و باربي