ضبطُ النفسْ

تُستخدم كلمة "ضبط" هنا للدلالة على "ربط" اليدين و "قفلِ" الإحساس و "استمراء" المذلة. الرئيس الفرنسي ماكرون كان من أوائل الداعين لضبط النفس بهذا المعنى بعد اغتيال الراقي لعالم الشهادة المناضل صالح العاروري. ثم تبعتهُ جوقة الناصحين تدعو لضبط النفس.  في المقابل، نعقت مجموعة الشامتين الصهاينة وتوابعهم العرب. تعليقاتهم مقززة و تستثير الغيظ. أما المجموعة الثالثة فهي المنددة والمعلقة على الحدث بتعابير مثل أنه "كشف النوايا الصهيونية".  الحقيقة أنني أضبط نفسي أمام كل هذه المجاميع! بالطبع، لن نستطيع وقف النصائح السخيفة ولا التصريحات البغيضة ولا الانفعالات.  كل ما يلزمنا الآن هو السماع للأم الصابرة والأخت الحزينة، وللصمود الفلسطيني. 

 

"و ما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبلهِ الرسل، أفإن ماتَ أو قُتِلَ انقلبتم على أعقابكم".  هذا رسولُ الله ماتَ و ما ماتت رسالته.  بل أنه عليه الصلاة و السلام في معركة أُحُدْ وحُنَينْ رأى أتباعهُ يتخلون عن مواقعهم و يصمد هو و القلة حتى يأتي نصر الله. و كل واحدٍ منا يستشهد بالرسول وصحابته آملاً أن يتتبع خطاهم و قليلٌ من ينجح في ذلك. ربما من هؤلاء القليل من حملوا على عواتقهم مقاومة الصهيونية. و عندما فعلوا ذلك كانوا يعرفون أن السبيل طويل و أن الجزاء الإلهي جزيل، فهو النصر و الشهادة. لم يقل أحدٌ منهم أن النصر هو اليوم أو غداً و لا عرفوا متى ترقى أرواحهم شهداء. عملوا للنصر كأنهم يعيشون أبدا و للشهادة كأنهم يموتون غداً.

 

إننا لذلك لا نرى الفائدة في توخي الحرب الشاملة ردَّاً لاغتيال الأبطال. الحرب مع الصهيونية طويلةَ المدى.  هذا عدوٌّ يرتكزُ علي ركيزتين للبقاء. عقيدته ومن يحميه.  العقيدةُ كذبةٌ يصدقها من يحميه لأن في تصديقها و حمايةِ الصهيونية استمرارٌ مُقَنَّعٌ وواضحٌ للاستعمار. القناعُ فيه هو وجود الاستعمار ببلادنا لأن بلادنا تستضيف قواعده ورموزه وتعتمد عليه في الشاردة والواردة. الاستضافةُ غلالةٌ لا تكاد تخفي الغرض الرئيسي وهو استمراء الاستعمار لكنها تكفي.  أما الوضوح فهو في بقاء الدعم للصهيونية في أبشعِ صور إجرامها، وتبريرها للصهيونية تلك الجرائم. الصهيونية تؤمن بعقيدتها لأنها بدونها ستنتهي. و عقيدتها هي البقاء على جثث غيرها. و لدورها الوظيفي الاستعماري يستمر الدعم يأتيها ولو على الجثث و الأفضل أن يأتيها بالتطبيع اللطيف الذي أطاح به المقاوم.  تريد "إسرائيل" أن تتسلق سلم الجثث للوصول بثباتٍ للتطبيع عبر الترهيب والترغيب.  تحطيم غزة هو الترهيب لكل مدينةٍ عربية. و القضاء على "المنغصات المقاومة" هو أمل الصهيونية و شركاء التطبيع وهو الترغيب الذي يتنازع الساحة مع القدرة على تحمل مشاهد الذبح.

 

ما هو الوضع بعد الشهيد العاروري و اغتيال الشهيد يزبك؟ "إسرائيل" تسعى لجرِّ لبنان نحو الحرب لِتُحيلَ بيروت و صور و صيدا إلى غزة. حزب الله يريدُ أن ينتقمَ للشهداء الذين استشهدوا في عرينه و جبهته لكن دون الحرب الشاملة. إنذارُ السيد حسن نصرالله هو مرحلةٌ ما بين الانتقام المحسوب على ذات النسق اليومي للحزب في الجبهة منذ ٨ أكتوبر و شفا الحرب التي لا يريد.  الانتصار بالنقاط لا بالضربة القاضية هو ما يريده الحزب و بالتفتت الداخلي الصهيوني المتدرج.  تدرك الصهيونية هذه الاستراتيجية وهي لا تتحمل حرب استنزاف عسكرية واقتصادية ومجتمعية وقانونية وذات أثرٍ مدمر على سمعتها.  وتدرك الدول الداعمة للصهيونية هذا لكنها لا تريد حرباً لا تعلم هل ستنتصر فيها أم لا.  هي تريد لجم الصهيونية من الركض وراء الحرب وبنفس الوقت إطلاق يدها ضد المقاومة مباشرةً في غزة  واغتيالاً في العالم. قال المتحدث الرسمي الأمريكي أن العاروري لا يستحق العزاء لأنه كان إرهابياً.

 

إن السباق بين الانتصار بالنقاط و الحرب الشاملة يعتمد على عاملين: قدرة المقاومة في البقاء، ففي بقاءها انتصار، وقدرة الصهيونية في الانتصار على المقاومة لتشكيل خريطة المنطقة التطبيعية الكاسحة من الأطلسي ولبحر العرب، والعاملين ضدين سينتج عن اصطدامهما الانفجار. قريباً سيصل أحد الطرفين للاستنتاج أنه لا يستطيع البقاء طويلاً دون الانفجار. الآتي حتماً.

Previous
Previous

الموقف العربي من الغرب و الصهيوني المسعور

Next
Next

صديقي توني