الموقف العربي من الغرب و الصهيوني المسعور
هل يحتاج العرب مزيداً من الأدلة أم أنهم يغمضون عيونهم و يُطرشون أسماعهم لكي لا يعترفوا أنهم يعلمون أن الغرب صهيوني للنخاع. ماري لوپان الفرنسية اليمينية تريد نقل الفلسطينيين للجحيم في سيناء. رئيس وزراء بريطانيا سوناك "بلفور" يقول أنه لا يوجد شك من وقوفه مع "إسرائيل" لأن "حماس" إرهابية. كذلك قال رهيفَ الذاكرة جو بايدن الذي أمر وزيره للدفاع أن يرسل حاملةَ طائرات و أسطولها لحماية "إسرائيل" و أن ينقل ما يحتاجه جيش الصهيونية من سلاح و الذي سيصل وزير خارجيته للمنطقة للترويج بمنطقةٍ منزوعة المقاومة. أمريكا و كل أوروپا وأحزابها الحاكمة والمعارضة أذاعت بحبها وحنانها وعطفها و انحناء عنقها للصهيونية. والإعلام الغربي و المنصات التواصلية كذلك تصر على "إرهاب" الفلسطينيين. حتى فنانيهم و الكُتَّاب. إنها الحقيقة المعروفة التي يتغاضى العرب الرسميون عنها رأفةً بمشاعر الغرب و خوفاً علي مصالحهم المشتركة. قَهْرَ الزمان أم هي وقاحته الفاضحة أن بعض العرب الرسميين أدان "فيضان الأقصى" ومنح التعزية للصهاينة، وقليلهم ساندََ فلسطين صراحةً في حق المقاومة و منهم من أمسكَ العصا من المنتصف. الطوفان الفلسطيني شجاعةٌ كالمخرز في العيون الصهيونية، وبعض العيون العربية الرسمية الوقحة. الوصفُ للحال العربي الرسمي هو رهانٌ على نقاء الثوب من سخام المعركة أما سخام الضمير و الروح عندهم فالحديث عنه بلا حرج. والمستقبل؟ قد يكون كذا.
يجب أن تقرأَ كلمة محمد الضيف بحرصٍ و أن تثقَ بما قال. لقد ابتدأَ حرباً لا معركةً و مسير طوفانها لن يتوقف. غزة هاشم تُبتَرُ أعضاءها بالقصف و تتهيأ للغزو لكنَّ فيها ما يزال "تَنُّورٌ" سيفيض بالتدريج و قد يبتلع الغازي وصولاً للقدس و الأقصى العطشى للماء المقاوم. و اقرأْ قبل أسابيع عن اجتماعاتٍ وُصِفتْ بغير العادية في بيروت لمحور المقاومة. إقرأ أن للمقاومةِ صبراً لا تستطيعهُ الجبال و ذكاءً تكتيكياً و استراتيجياً لم تدركه و لن ألوية التصنت و العمالة و إلا كيف اقتحموا هؤلاء السباع هذه القِلاع و الجدران المشيدة و من قبلها شقوا من زنازينهم نفقاً للحرية؟ ثم اقرأ خسارة الصهيونية ليس فقط في الأرواح و الأسرى و لكن في الهيبةِ التي بنتها للداخل و المحيط. إقرأ أن عمودها الفقري الرادع انكسر في ساعاتٍ معدودة علي يدِ مجموعةٍ صغيرةٍ و أنها هرعت لطلبِ الحماية من الغربِ الصليبي عقيدةً و عملاً. أما ما بعد ذلك من استنفارٍ للقصف الجوي و الحشد الميكانيكي ضد غزة فهو نفرةٌ و رد فعل لاستعادة توازنٍ لن يعود و لن يعيدَ كتابةَ تاريخ السقطة.
لكن هل سيعود العرب عن التطبيع؟ هل سيقف العربي طويلاً على خط الحيادِ متردداً؟ هل سيخشى الضابط العربي بعد اليوم سلاحَ العدو الصهيوني؟ هل ستتغير العقيدة العسكرية العربية و تتعلم من دروس الطوفان و تؤمن أن عدوها ليس إلا بيت عنكبوت؟ أم أن العرب سيتلمسون طرقاً للبقاء بالوعي الجبان و الانصياعِ الكامل للخوف من فقد الغرب و فقد الأبنية؟
نحن لا نعلمَ ماذا سيحدث و لو أن الدلائل الخطيرة على تبعات الطوفان لا تخفى فالدم يرسمها. غزة المنسية دولياً تُجبر العالم أن يراها إما جانيةً و إما ضحيةً و العالم الجائر يرى أن الصهيونيين ضحايا ويرى الفلسطينيين جُناةً إرهابيين. حتى الهند قال رئيس وزراءها أنه مع "إسرائيل"، و عينهُ الهندوسية الفاشية علي كشمير، لأن نموذج غزة قد تكرره الشعوب المقهورة. و لكن الحرب التي تشتعل و لن تنطفئ حتى تحرير فلسطين لا يكون وقودها صيحات "بالروح و الدم" بل بوحدة الحال المقاوم بالفعل. و الحال المقاوم يجب أن يمزج الرسمي و الشعبي و هو مزيجٌ شبه مستحيل بغير تغييرٍ جذري في العقيدة الحاكمة عربياً و التحالفات القائمة. لذلك فإن أخشىٰ ما أخشاه أن يلتف العربي الرسمي و الغرب الجائر لنزع سلاح غزة بعد فترةٍ من التحطيم المبرمج لكياناتها المادية و المعنوية. و قد يصل الأمر أن يطرح مجلس الأمن صيغةً لوضعها تحت وصايةٍ ما من بلاد إسلامية لا تشكل تهديداً لتضمن عدم تسليحها و انصياعها للسلام، كما تريده الصهيونية. و أما إن وصلت الأمور للتدخل الشعبي المقاوم من داخل فلسطين و من لبنان و ربما من الجولان فلن تنتهي الحرب دون تضحياتٍ جسامٍ تزعزع قواعد المنطقة. و ربما تغير للأبد شكلها، و قال قالها النتن ياهو حرفياً أنها حربٌ وجودية و أنها ستغير المنطقة، فماذا يعني؟ هو يعلم أن وجود المحور المقاوم نذيرَ فناءٍ حقيقي للصهيونية بفلسطين عاجلاً و آجلاً و هو سيبذل جهده للقضاء عليه. هكذا ببساطة. و الغرب المتصهين سيقف معه في الحرب المقدسة التي يبشر بها للقضاء على الإرهاب. ستتسع الحرب لا مفر و نهايتها و النصر فيها ليس لمن له الحق بل لمن يبادر بشَلِّ الآخر و هي مهمةٌ صعبةٌ علي محورٍ لا يملك سلاح دول و دول تملك سلاحاً لا تستعمله.
اليوم أو غداً، مجازياً، لن يقف الصهيوني و الغرب المتصهين عن قهرنا و لن نتوقف نحن عن مقاومتنا. في الأول ذل و في الثاني كرامة، فمتى سنفهم أين مصلحتنا؟ بمزيدٍ من الأسى سنقول أن العرب لا يرون مصلحةً في مقاومة. و ما لم ترجح كفة المقاومة بمعجزةٍ ما لتفرض مصلحة المقاومة فإن التشاؤم هو سيد المرحلة لأن ما يوده العرب و العالم الغربي الجائر و الصهيوني المسعور سلامٌ و تطبيعٌ قاهريْن لا تنغصهما بتاتاً نفرةَ غزة.