الرد العربي في زمن "الباكس الصهيونية"
طوفانٌ من الدم الفلسطيني القاني لا يدفع العرب على الرد القوي، بل لا يدفع السلطة الفلسطينية للمقاومة عبر آلاف عناصرها المسلحة. قصفُ مطاري دمشق و حلب لا يحرك رداً سورياً و لا من محور المقاومة أو الروس الحلفاء علي الأقل للتشويش الإلكتروني و هم قادرون عليه. تهديد سوريا و مصر و الأردن ضمناً و حزب الله بعدم التدخل لا يستدعي الرد العربي الأعنف و لو بتصريحٍ غاضب. الصهيوني قالَ سأضرب و أعربد و أذبح و من يجرؤ على الاعتراض أو يرغب في الرد سيلقى العقاب. وزير الدفاع الأمريكي قال "إيَّاكَ" لكل من يفكر بالتدخل لصالح فلسطين. كل "حماس" بالنظر اليهودي الصهيوني و الأمريكي و الأوروبي هي داعش و يجب أن تُباد. عند الصهيوني "حماس" تساوي داعش تساوي الفلسطيني الحي في غزة و باقي فلسطين ومن يجرؤ من العرب و الكل سيُقتلْ أن اعترضوا. و من يجرؤ من العرب أن يقول لواشنطن أنتم خلقتم داعش كما قالت هيلاري كلينتون و شتان ما بين "حماس" المقاومة و داعش. لكن العرب اجتمعوا و خطبوا و ارتاحوا نفسياً أنهم أدُّوا اللازم. فلسطينيي غزة يؤدون اللازم بالموت الجماعي. نامت أعين الجبناء. هذا هو الرد العربي الذي يركز اليوم على المساعدات الإنسانية، على أهميتها لإنقاذ حياة مئات الألوف، و لكنه يتجاهل أن جهداً عسكرياً أو إشارةً منه فيه تهديدٌ للصهيوني قد يجعلها تتوقف و بذلك سيكون هناك حياة. لكن العرب مرعوبون من تخيل أن شيئاً إعجازياً قد ينصر المقاومين و يرتد عليهم، أو أن إسرائيل ستدمرهم، و ها هم يضعون أملهم في "بلينكن" الذي افتخر بدعمه للصهيونية لأنه أولاً يهودي ابن يهودي. و هل هذا إلا اعترافاً بعنصرية النزاع؟ و عندما لا يخجل العرب من وصول القوات الأمريكية لبلادهم لدعم الصهيونية و يفركون الأيادي انتظاراً لوأد المقاومة فلا ننتظر دعماً إلا من الله و لكن هذا الدعم الإلهي له شروط و له إعجازٌ و توقيت يفوق تصورنا و رغباتنا. و يبقى عشمنا و إيماننا أن الله حتماً معنا. و بانتظار هذا اليوم الذي ينصرنا فيه فالدم الفلسطيني هو الذي يقود الإيمان بالنصر، متى أتى.
أمَّا محور المقاومة فلا يتحرك. اتركونا من حسابات قواعد الاشتباك و توازن الردع فقد داستها إسرائيل و إن لم يتحرك هذا المحور فمتى سيفعل؟ أم أن التحرك ينتظر الترتيب المنتظم للأحداث على مزاج المحور و كأن الصهيونية الغربية ستسمح له بهذا؟ هل ينتظر ذبح كل فلسطيني في غزة؟ و ما هي تبعات الانتظار في وقتٍ تحطم إسرائيل فيه كل الخطوط الحمر و تدعمها في ذلك امريكا و بريطانيا و الغرب؟ هل ننتظر مثلاً أن تتدخل روسيا أو الصين؟ شاهت الوجوه العربية المحورية و الهامشية إن لم تقف بوجه هذا الظلام المستحكم. و شاهت أكثر عندما تعيد قصة حياةَ و مقتل الثيران بألوانها ظانَّةً أنها ستنجو.
هكذا هو التصميم و التهديد الأمريكي المتصهين لحماية إسرائيل، كافٍ لإرعاب الجميع في المنطقة. كما الإسناد الممتد من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي و هو يستحضر ماضي الاستعمار حنيناً و يرمي رداء الإرهاب علي مقاومة شرعيةٍ لأنه يراها حجر عثرة و تنغيصاً في طريق إعادة الاستعمار عبر التطبيع و عبر تدرج التنويم للوعي العربي في آمال السلام الموعود و ثماره. بل أن التصميم الأمريكي و الأوروبي بات الآن يحارب في أوكرانيا والعالم العربي ناشراً أجنحةً حديديةً بوجه روسيا في رسالةٍ تقول أن هنا في هذا العالم العربي المتخاذل منطقة نفوذهم التي لن يتخلوا عنها. و أن إسرائيل لهم و معهم. أما العرب فلا وارد و لا شارد لهم غير تحقيق السلام و حل الدولتين! عن أي سلام و دولتين يتكلمون؟ هم اليوم في عالم "الباكس الصهيونية" الذي يحكم فيه أرذلَ المخاليق عالماً ينحني للصهيونية، فهل سيكون عالمنا إلا بشروط بني صهيون؟
خلاصة القول، إن الشلل العربي الناجم عن الخوف مُذِّل و معيب. و إنتظار اللحظة الحاسمة للرد هو إنتظار السراب. فلنستعد للنكبة المتجددة.