الإستياء
سمعتُ هذه الكلمة كثيراً من مسؤولين عرب و لكنها اليوم استوقفتني لأبحث عن أصلها و جذرها اللغوي فلم أجد لها جذراً في "المختار الصحاح". من يعلم لها جذراً فليُفِدنا به. غير أنني أرجعتُ الكلمة لكلمةِ "سَوْء" و "ساء" وكأن الذي يقول أنه "استاء" يعني أنه استشعرَ السوءَ بقوة. مثل الذي يقولُ أنه "استغنى" و "استدرك" و "استقصى"، و "استفرغ". فالذي "استاء" يُعَبِّرَ عن شدةِّ السوء الذي حصل و شعر به و يريدَ الإعلامِ به. و الجملة، "نحن نشعر بالاستياء من تكرار القصف"، هي مثالٌ واضحٌ أن القصف أصابَ مشاعر القائلين بالسوء.
العرب يستخدمون "استاءَ" فهي عندهم أعلى درجةً من القلق و لا يقولون أنهم مرعوبون و مصدومون. و أمين عام الأمم المتحدة و من في مقامهِ يستخدم القلق، و الاستياء و الرعب والصدمة. الرعب و الصدمة تعبران عن مشاعر متوسعة في العاطفة لا يشعر الغربي بالحرج من إظهارها حتى و سيفه في قلوبنا و العربي لا يجوز له أن يرتعب و يُصدم لأنه رجل! فيقول أنه "استاءَ"، محترماً رجولةَ بدلته السوداء و قميصه المزرر الأبيض و ربطةِ عنقه الزرقاء، لأن مستشاراً إعلامياً قال له هكذا يجب أن تلبس لتستاء، فلا ترتعب و لا تنصدم و لا تفعل شيئاً غير الاستياء.
ثم تأملتُ في كم هي رهيفةٌ قابلةٌ للخدش مشاعر العرب المسؤولين الذين استاءوا من الاعتداء المتصاعد على غزة بهذه القسوة. تشعرَ أنهم يتخيلون أنهم يريدون أن تحضنهم الجماهير و تواسيهم وتخفف من أثر هذا الاستياء الذي أصابهم لأنهم ضحايا ""سوء" فهم الصهيونية لنواياهم الحسنة. لم يتوقعوا "الإعتداء" و تصاعده فإذا بهم يُصابونَ بالسوء، و كأن صديقتهم الصهيونية كانت سترمي زهوراً على غزة. لكننا لن نفعل ذلك و سنزيدُ، إن استطعنا النفاذ من خلال جلود مشاعرهم المحصنة، من استياءهم. و نسألهم: ألا يكون تطبيعكم مع الصهيونية سبباً وافياً لنا للاستياء منكم؟ ألا تشعرون أن الصهيونية تحتقرُ ضعفكم و تتهكم عليكم و لا تهتم باستياءكم أو تسأل عن عواطفكم؟ ألا تعلمون أن الصهيونية لم تكن لتفعل ذلك لولا تطبيعكم الذي منحها كل القوة و الصلف و المعرفة أنكم معها ضد غزة و فلسطين و كل مقاوم؟ ألا تخجلون من تبادل الزيارات و الأنخاب مع الصهاينة و من الاتفاقيات التي تربطكم بهم؟ إن ممارسةَ الاستياء لن ترفع من مقامكم بل هي عيبةٌ في تكوينكم السياسي والوطني. و الاستياء من باب استجداء العطف لا يغطي ذنوب التطبيع المتراكمة التي ارتكبتوها عن سبق الإصرار و المعرفة بطبيعةِ الصهيوني المجرمة، و لن يشتري لكم منا عطفاً و تأييداً.
بل نحن نستاءُ منكم يا قادةَ التطبيع و من ذلك اليوم الأغبر الذي تمكنتم فيه من ربط أقداركم و حياتنا بإبليس الصهيوني. و ربما كان من بعض العزاء أن لن تجدوا في "الصحاح" مفردةً واحدةً لتنظيف تاريخكم. و ننصحكم و أنتم المسلمون أن تقرأوا سورة "المنافقين" و ثلاثية "الأعراف" و "الأنفال" و "التوبة" و سورتي "محمد" و "الفتح" لعلكم تفهمون تاريخ من يوالي العدو و لا يجد إلا اللعنات الإلهية. و إن عجزتم عن الفهم فننصحكم أن لا تتكلموا بالاستياء بل لا تتكلموا بتاتاً، فإذا بُليتم، استتروا.